كشف لغز"إختفاء" الموسيقي الفلسطيني جورج قرمز

نُشِر المقال باللغة الإنجليزية في بالستاين كرونكل في تاريخ 13 أكتوبر 2022 / تُرجِمه عن الأنجليزية د. عيسى بولص /د. لوِس برهوني و د. عيسى بولص

جورج قرمز مع فرقة البراعم. الصورة من عرض أقامته الفرقة على مسرح مدرسة الفرير في القدس المحتلة عام 1975. الصورة من المتحف الفلسطيني

"أنا إسمي شعب فلسطين"، الأغنية التي كانت تصدح في مخيمات اللاجئين والمدن والجامعات والمدارس الفلسطينية والتي كانت جزء من أول البوم لجورج قرمز تم ترويجه عبر طباعة الكاسيتات التي بيعت بالآلاف في الأراضي الفلسطينية. في أغانية، أعطى جورج قرمز صوتاً للمعاناة والتطلعات الثورية لجيل نشأ في الثمانينات. فمن تلحين الأغاني من الشعر الثائر لتوفيق زياد ومحمود درويش وراشد حسين إلى الأغاني التي استهدفت الإمبريالية والإستعمار، كان غناء قرمز يطفو فوق الأصوات الجديدة في السياق الفلسطيني، مدعوماً بالجيتار والبيانو والإيقاع، ولاحقاً آلة العود. أصبحت تسجيلاته أناشيداً للمحرومين في سنوات ما قبل انتفاضة 1987، ولكن بعد موجة من إصدار الألبومات، توقفت لموسيقاه فجأة وانتهت مسيرته الفنية. 

ويبقى التساؤل، من هو جورج قرمز؟ هل كان فدائياً أم سجيناً سياسياً؟ هل كان من جنسية أخرى يغني تضامناً مع القضية الفلسطينية؟ ومنذ ذلك الحين بات إستكشاف هوية جورج قرمز ومصيره يشغل بال الكثيرين. ففي شهر حزيران 2022، أشار التلفزيون الفلسطيني وصفحة دولة فلسطين الالكترونية إلى إختفاء قرمز قبل 40 عاماً، ولكن لم تفلح هذه التقارير بتزويد الجمهور إلا بالقليل من الوقائع التي تدعم رواية الإختفاء هذه. بحث آخرون وبجدية عن ظروف الإختفاء ومعظمهم استنتجوا أن لا أحد يعرف من هو قرمز، أو أين انتهت به الحال. ولكن في السياق الجمعي ولربما الفلسفي، قرمز هو الشعب الفلسطيني، فأغنياته عاينت معاناة الشعب الفلسطيني، من ترمس عيّا، إلى طبريا والقدس، وكما غنّى من كلمات راشد حسين ترافقه آلة العود:

أنا يا سحابة عمري جبال الجليل
أنا صَدْرُ حيفا
وجَبهَتُة يافا

ولكسر بعض هذه الأساطير السائدة، نستعرض في هذه المقالة القصيرة بحثنا الخاص بهدف التوضيح ولأول مرة مجرى الحياة المهنية الموسيقية لجورج قرمز. وسنقوم بالمستقبل بنشر أبحاثنا بالكامل ومن خلال منابر تُعنى بالأبحاث. 

ولد جورج قرمز في القدس في آذار عام 1953 لعائلة فلسطينية مسيحية سريانية في الحي الأرمني بالبلدة القديمة في القدس. إلتحق بمدرسة سان جورج، وهي مدرسة بريطانية في القدس الشرقية، تديرها أبرشية القدس الأنجليكانية. نشأ جورج فقيراً، لكنه تمكن من تعلم العزف على الجيتار في سن المراهقة وانضم إلى فرقة البراعم في عام 1971، حيث عزف على الجيتار وغنّى. وعلى الرغم من عدم وضوح أول محاولاته في التلحين، يشير عازف الكمان مع فرقة البراعم ويليام فوسكرجيان أن قرمز قام بتلحين أغنية "إعتذار عن خلل فني طارئ" من شعر حيدر محمد عام 1976. وكانت الفرقة قد قدمت عروضاُ في جامعة بيت لحم في ذات العام وسُجِّل العرض آنذاك على كاسيت. ويتذكر قائد الفرقة إميل عشراوي بأن قرمز قدّم جزءاً من الأغنية للفرقة أثناء التدريبات وكونها كانت أولى محاولاته، ساعده عشراوي على استكمال تلحينها. ومن الناحية الموسيقية، تشير الأغنية إلى العديد من الخصائص الموسيقية والأسلوبية التي كانت بمثابة قاسماً مشتركاً بين قرمز والبراعم ولكنها أيضاً تشير إلى ملامح وأنسجة وطرق أخرى تخص قرمز وحده، حيث برزت لاحقاً في أعمالة. 

وبدعم من الأخ الأكبر مارك، خريج الكيمياء الحيوية من جامعة مشيغان في آن أربر، هاجر قرمز إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1976. ولم يرق لـ مارك العمل في مجال الكيمياء، وبدلاً من ذلك افتتح متجراً لإصلاح الأحذية في بسيلانتي المجاورة لـ آن أربر. وبين ساعات العمل الطويلة وبعض الاسثمارات في الأسهم، كان أداء مارك جيداً من الناحية المالية. ومنذ وصوله إلى أمريكا، عمل جورج لساعات طويلة في ورشة إصلاح الأحذية الخاصة بشقيقه. وفي تلك الفترة، أصبح قرمز نشطاً جداً في منطقة آن آربور، وتعاون مع العديد من الموسيقيين، بما في ذلك م. عابدين (في البوم "أنا إسمي شعب فلسطين") وراندال (راندي) فيبر، الذي سجّل معه أعماله ما بين 1980 و 1984، وعازف الباص جلين بيرنغ، الذي ظهر في العديد من تسجيلاته وبعض حفلاته الموسيقية، وعازف الإيقاع بوب كرانمر. وأستقرت حياة جورج قرمز في الولايات المتحدة حيث سجل أربعة ألبومات وقام بجولات متكررة حتى منتصف الثمانينات. 

اكتسب قرمز شهرة كبيرة بين الجماهير الفلسطينية في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي. وظهر في المناسبات الطلابية والوطنية الفلسطينية وكان حينها مرتبطاً بقوى اليسار. ووفقاً لما قاله وئام غربية، أحد داعميه، فإن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين "اعتبرته واحداً منها"، حيث قام التنظيم بشراء اول عود يقتنيه قرمز، وذلك من أجل محاولة تجنيده في التنظيم. وقدّم جورج قرمز أغانية في عدة مناسبات منها أحداث المؤتمر الوطني للطلاب الفلسطينيين في حزيران 1983 في شيكاغو. ويتذكر الطالب الناشط رامي رشيد بأن قرمز غنّى أغنية للقدس:

القدس يا مدينتي
بدفتري وقلمي
ونار بندقيتي
سأرفع العلم

وجاء ألبوم قرمز "من أنصار إلى عسقلان" في 1985 ليسلط الضوء على قضية السجناء السياسيين لدى إسرائيل، وتثمينا على تخصيص 17 نيسان كيوم للتضامن مع الفلسطينيين المحتجزين في السجون الصهيونية. وكتب قرمز على غلاف الشريط:

الإهداء
أنصار، عسقلان، نفحة، صرفند، المسكوبية وعشرات غيرها أسماء لمعتقلات صهيونية أصبحت معروفة لدى شعبنا الفلسطيني. في عام 1980 قررت "لجنة التوجيه الوطني في الأرض المحتلة" اعتبار 17 نيسان من كل عام يوماً للتضامن مع الأسير الفلسطيني، ومن طرفي كفنان فإنّي اعتبر هذا العمل الفني المتواضع وسيلة لإحياء هذه المناسبة واقدم هذه الأغاني إلى كل المناضلين الفلسطينيين في المعتقلات الاسرائيلية والى كل المعتقلين والاسرى العرب في سجون انظمة الرجعية العربية والذين يقفون بجباه مرفوعة وأمل كبير نحو غد افضل لوطننا العربي.

النصوص
ابراهيم الأنصاري      مخيم صبرا
محمود درويش         ميلاد عاصفة، المستحيل
نديم محسن             كل ما تشتي، أنصار
جورج قرمز           من أنصار إلى عسقلان، آخر الأغاني

اعتمد جورج قرمز في معظم أغانيه على الآلات الغربية بما في ذلك طرق التلحين والأداء الغربية، ومن ضمنها الهارموني الأساسية. ولحّن للعديد من شعراء الفصحى كـ محمود درويش، وراشد حسين، وتوفيق زيّاد. وكانت معظم هذه القصائد التي لحنّها منتشرة بين الناس قبل تلحينها، وكان هذا توجهاً لترويج الأغاني إستخدمه العديد من الموسيقيين في تلك الفترة. وبالإضافة إلى ذلك، قام قرمز بتلحين قصائد بالفصحى من تأليفه وكذلك كلمات أغاني باللهجة العامية الفلسطينية. وعمل على إنتاج أغانية مع مجموعته حيث كان يأتي الى التمرينات وأغانيه جاهزة من حيث القالب وطريقة الأداء التي يرغبها بما في ذلك تفاصيلها اللحنية، احساسها العام والتوزيع الموسيقي. وفي هذا السياق، يقول عازف البيانو راندي فيبر ويتذكر فيبر بأن قرمز كان قائداً قوياً يعرف ما يريد وفي ذهنه صورة واضحة لكل أغانية، ويقول

"كتب قرمز جميع الكلمات والألحان واستخدم الجيتار أو البيانو لمساعدته على إيجاد التناغمات الهارمونية التي يرغبها. لقد كان واضحا فيما يخص الصوت الذي كان يريده، وكان يستعرض ما يحاول قوله موسيقياً عبر عزفه على اكثر من آلة كي يوضح مجرى الأداء، فقد استخدم الطبلة لتوضيح مجرى الإيقاع العام، أو البيانو كي يستعرض الأسلوب الذي على عازف البيانو استخدامه، وهكذا."

كان جورج قرمز يعزف العود بشكل متواضع، مضيفاً بعض النغمات المقامية كـ "أرباع النغم" إلى ألحانه وأغانية، خاصة تلك التي أتت لاحقا، وهي ميزة غائبة في أغاني البراعم وأغاني قرمز المبكرة. أنتج قرمز جميع البوماته في استوديو بروكوود في آن آربور مع مهندس التسجيل ديفيد لاو. 
 

تعددت التكهنات الفلسطينية حول أسباب توقف جورج قرمز عن الأداء والتسجيل والإنتاج. وعلى الرغم من استمراره الأداء في السنوات الأولى لإنتفاضة 1987، كان قد تواصل مع اصدقاءه الموسيقيين بأنه يعتزم التقاعد. ويبدو انه لمّح إلى ذلك في البومه الأخير عام 1985 حيث قال:

لما بتخلص الكلمات
وما بيبقى عندي أغاني
تبقى يا وطني آخر الكلمات
كل الأغاني

كان قرمز نجماً في حياته الموسيقية، وصاحب متجر خلال النهار. وكان أيضاً دائم الحفاظ على تواضعه ودقته في العمل ومواقفه. وعندما تقاعد شقيقه مبكراً، تولّى جورج الورشة وركّز على أعمال تصنيع الأحذية على الطلب. وفي النهاية، باع الشركة وتقاعد متخفياً في سن مبكرة. التقى قرمز جميع عازفيه ومن ضمنهم راندي فيبر لآخر مرة عام 1990 إبان تقاعده. وانتقل بعدها من مشيغان الى بلدة بارادايس في كاليفورنيا، حيث اشترى منزلاً. وافتتح متجراً آخر لتصليح الأحذية في تشيكو، على بعد 13 ميلاً من منزله. ولكن لسوء الحظ، تم إغلاق المحل بشكل دائم 
أثناء جانحة كورونا، ولا يزال قرمز يعيش مع زوجته ليلي في بيتهم في باراديس؛ لديهم ابن وابنة. 
 

**********

لوِس برهوني موسيقي وناشط وباحث ومعلم مقيم في مانشستر. وهو مخرج الفيلم "كوفيّة: ثورة عبر الموسيقى"  (2021) الحائز على جوائز. ويقوم حالياً بتأليف كتاب عن الموسيقى الفلسطينية في المنفى ويكتب بإنتظام عن فلسطين والسياسة ويعزف محليا ودوليا على آلتي الجيتار والبزق.

ولد عيسى بولس في القدس وهو مؤلف موسيقي وشاعر وكاتب أغاني وباحث حائز على جوائز دولية كثيرة. عبر مسيرته المهنية، قام عيسى بالعزف وقيادة فرق موسيقية في فلسطين وفي أنحاء مختلفة من العالم كما لحّن للعديد من الأورسكترات والفرق العالمية. حصل على درجة البكالوريوس والماجستير في التلحين من كلية كولومبيا وجامعة روزفلت ومن ثم الدكتوراه من جامعة ليدن في دراسات الموسيقى العرقية ويعمل حالياً  كمنسق لمركز الموسيقى والفنون المجتمعية في كلية هاربر ومحاضر في الموسيقى. يعزف عيسى على العود والبزق ويكتب حاليا كتاب عن الموسيقى الفلسطينية منذ العشرينات وحتى أواسط التسعينات.

تبرع الآن